الشيخ محمد هادي معرفة
365
تلخيص التمهيد
فأتى بما يمكّنهم المخاصمة جدلًا ، ولا كان اعترافاً بصدق ما عندهم أنّه توراة كلّه . وهذا من دقيق التعبير الذي خصّ به القرآن الكريم . وأيضاً في التعقيب بقوله : « فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ » « 1 » . نسبة القتل إليهم بالذات ، لأنّهم رضوا بفعل آبائهم ومشوا على طريقتهم ، ولو قال : « فَلِم قَتَل آباؤكم . . . » لكان فيه حديث أخذ الجار بذنب الجار ، وكان أشبه بمُحاجّة الذئب : عدا على حَمل صغير ، بحجّة أنّ أباه قد عكّر الماء عليه في قناة كان يشرب منها « 2 » . إقناع العقل وإمتاع النفس ميزة أخرى في احتجاجات القرآن ، هو حينما يحاول إخضاع العقل ببراهينه المتينة تراه لا يتغافل عن إمتاع النفس بلطائف كلامه الظريفة ورقائق بيانه العذبة السائغة ، جامعاً بين إناقة التعبير وفخامة المحتوى ، سهلًا سلساً يستلذّه الذوق ويستطيبه الطبع ، عذباً فراتاً لذّة للشاربين . إنّ للنفس الإنسانية جهتين : جهة تفكير يكون مركزه العقل ، وجهة إحساس يكون مركزه وجدان الضمير ، وحاجة كلّ واحدة منهما غير حاجة أختها . فأمّا إحداهما فإنّها تنقّب عن الحقّ لمعرفته أوّلًا ، وللعمل به ثانياً . وأمّا الأخرى فإنّها تحاول تسجيل أحاسيسها بما في الأشياء من لذّة وألم ، ومتعة وغذاء للنفس . والبيان التامّ هو الذي يوفّى لك للحاجتين جميعاً ، ويطير بنفسك بكلا الجناحين ، فيؤتيها حظّها من الفائدة العقلية ، إلى جنب إيفائها متعة الوجدان وإشباع غريزتها في عواطف الإحساس . أمّا الحكماء فإنّما يؤدّون إليك ثمار عقولهم غذاء لعقلك ، لا يهمّهم جانب استهواء نفسك
--> ( 1 ) . البقرة : 91 . ( 2 ) . النبأ العظيم : ص 117 .